فصل: غزوة أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: سيرة ابن هشام المسمى بـ «السيرة النبوية» **


 غزوة عيينة بن حصن بني تميم

وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إليهم ، فأغار عليهم ، فأصاب منهم أناساً ، وسبى منهم أناساً ‏.‏

فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ‏:‏ أن عائشة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ يا رسول الله ، إن علي رقبة من ولد إسماعيل ‏.‏ قال ‏:‏ هذا سبي بني العنبر يقدم الآن فنعطيك منهم إنسانا فتعتقينه ‏.‏

 سبي وقتلى بني العنبر

قال ابن إسحاق ‏:‏ فلما قدم بسبيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ركب فيهم وفد من بني تميم ، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم ربيعة بن رفيع ، وسبرة بن عمرو ، والقعقاع بن معبد ، ووردان بن محرز ، وقيس بن عاصم ، ومالك بن عمرو ، والأقرع بن حابس ، وفراس بن حابس ‏.‏

فكلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ، فأعتق بعضاً ، وأفدى بعضاً ، وكان ممن قتل يومئذ من بني العنبر‏:‏ عبدالله ، وأخوان له بنو وهب ، وشداد بن فراس ، وحنظلة بن دارم ‏.‏

وكان ممن سبى من نسائهم يومئذ ، أسماء بنت مالك ، وكاس بنت أري ، ونجوة بنت نهد ، وجميعة بنت قيس ، وعمرة بنت مطر ‏.‏

 شعر سلمى في ذلك

فقالت في ذلك اليوم سلمى بنت عتاب ‏:‏

لعمري لقد لاقت عدي بن جندب * من الشر مهواة شديدا كئودها

تكفنها الأعداء من كل جانب * وغيب عنها عزها وجدودها

شعر الفرزدق في ذلك ‏:‏

قال ابن هشام ‏:‏وقال الفرزدق في ذلك ‏:‏

وعند رسول الله قام ابن حابس * بخطة سوار إلى المجد حازم

له أطلق الأسرى التي في حباله * مغللة أعناقها في الشكائم

كفى أمهات الخالفين عليهم * غلاء المفادي أو سهام المقاسم

وهذه الأبيات في القصيدة له ، وعدي بن جندب من بني العنبر ، والعنبر ابن عمرو بن تميم ‏.‏

 غزوة غالب بن عبدالله أرض بني مرة

قال ابن إسحاق ‏:‏ وغزوة غالب بن عبدالله الكلبي - كلب ليث - أرض بني مرة ، فأصاب بها مرداس بن نهيك ، حليفا لهم من الحرقة ، من جهينة ، قتله أسامة بن زيد ، ورجل من الأنصار ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏الحرقة فيما حدثني أبو عبيدة ‏:‏

 أسامة بن زيد يقتل مرداس

قال ابن إسحاق ‏:‏ وكان من حديثه عن أسامة بن زيد قال ‏:‏

أدركته أنا ورجل من الأنصار ، فلما شهرنا عليه السلاح ، قال ‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله ، قال ‏:‏ فلم ننزع عنه حتى قتلناه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخبرناه خبره ، فقال ‏:‏ يا أسامة من لك بلا إله إلا الله ‏؟‏ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ يا رسول الله ، إنه إنما قالها تعوذا بها من القتل ، قال ‏:‏ فمن لك بها يا أسامة ‏؟‏ قال ‏:‏ فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها علي حتى لوددت أن ما مضى من إسلامي لم يكن ، وأني كنت أسلمت يومئذ ، وإني لم أقتله ‏.‏

قال ‏:‏ قلت ‏:‏ أنظرني يا رسول الله ، إني أعاهد أن لا أقتل رجلاً يقول ‏:‏ لا إله إلا الله أبداً ، قال ‏:‏ تقول بعدي يا أسامة ‏؟‏ قال قلت بعدك ‏.‏

 غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل

وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بني عذرة ، وكان من حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه يستنفر العرب إلى الشام ، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت امرأة من بلي ، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يستألفهم لذلك ، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلسل ، وبذلك سميت تلك الغزوة ، غزوة ذات السلاسل ‏.‏

فلما كان عليه خاف ، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده ، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين ، فيهم أبو بكر وعمر ، وقال لأبي عبيدة حين وجهه ‏:‏

لا تختلفا ، فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه ، قال له عمرو ‏:‏ إنما جئت مدداً لي ؛ قال أبو عبيدة ‏:‏ لا ، ولكنى على ما أنا عليه ، وأنت على ما أنت عليه ‏.‏

وكان أبو عبيدة رجلاً ليناً سهلاً ، هيناً عليه أمر الدنيا ، فقال له عمرو ‏:‏ بل أنت مدد لي ، فقال أبو عبيدة ‏:‏ يا عمرو ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي ‏:‏ لا تختلفا ، وإنك إن عصيتني أطعتك ، قال ‏:‏ فإني الأمير عليك ، وأنت مدد لي ، قال ‏:‏ فدونك ‏.‏ فصلى عمرو بالناس ‏.‏

 وصية أبي بكر رافع بن أبي رافع

قال ‏:‏ وكان من الحديث في هذه الغزاة ، أن رافع بن أبي رافع الطائي ، وهو رافع بن عميرة ، كان يحدث - فيما بلغني - عن نفسه ، قال ‏:‏ كنت امرأ نصرانياً وسميت سرجس ، فكنت أدل الناس وأهداهم بهذا الرمل ، كنت أدفن الماء في بيض النعام بنواحي الرمل في الجاهلية ، ثم أغير على إبل الناس ن فإذا أدخلتها الرمل غلبت عليها ، فلم يستطع أحد أن يطلبني فيه ، حتى أمر بذلك الماء الذي خبأت في بيض النعام فأستخرجه ، فأشرب منه ، فلما أسلمت خرجت في تلك الغزوة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل ؛ قال ‏:‏ فقلت ‏:‏ والله لأختارن لنفسي صاحبا ، قال ‏:‏

فصحبت أبا بكر ، قال ‏:‏ فكنت معه في رحله ، قال ‏:‏ وكانت عليه عباءة له فدكية ، فكان إذا نزلنا بسطها ، وإذا ركبنا لبسها ، ثم شكها عليه بخلال له ، قال ‏:‏ وذلك الذي له يقول أهل نجد حين ارتدوا كفاراً ‏:‏ نحن نبايع ذا العباءة ‏!‏ ‏.‏

قال ‏:‏ فلما دنونا من المدينة قافلين ، قال ‏:‏ قلت ‏:‏ يا أبا بكر ، إنما صحبتك لينفعني الله بك ، فانصحنى ، وعلمنى ، قال ‏:‏ لو لم تسألني ذلك لفعلت ‏.‏

قال ‏:‏ آمرك أن توحد الله ، ولا تشرك به شيئاً ، وأن تقيم الصلاة ، وأن تؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت ، وتغتسل من الجنابة ، ولا تتأمر على رجل من المسلمين أبداً ‏.‏

قال ‏:‏ قلت ‏:‏ يا أبا بكر ، أما أنا والله فأني أرجو أن لا أشرك بالله أحد أبداً ، وأما الصلاة فلن أتركها أبداً إن شاء الله وأما الزكاة فإن يك لي مال أؤدها إن شاء الله ، وأما رمضان فلن أتركه أبداً إن شاء الله ، وأما الحج فإن أستطع أحج إن شاء الله تعالى ، وأما الجنابة فسأغتسل منها إن شاء الله ‏.‏

وأما الإمارة ، فإني رأيت الناس يا أبا بكر لا يشرفون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بها ، فلم تنهاني عنها ‏؟‏ قال ‏:‏ إنك إنما استجهدتني لأجهد لك ، وسأخبرك عن ذلك ‏:‏

إن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا الدين ، فجاهد عليه حتى دخل الناس فيه طوعاً وكرهاً ، فلما دخلوا فيه كانوا عواذ الله وجيرانه ، وفي ذمته ، فإياك لا تخفر الله في جيرانه ، فيتبعك الله في خفرته ، فإن أحدكم يخفر جاره ، فيظل ناتئا عضله ، غضباً لجاره أن أصيبت له شاة أو بعير ، فالله أشد غضباً لجاره ، قال ‏:‏ ففارقته على ذلك ‏.‏

قال ‏:‏ فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر أبو بكر على الناس ، قال ‏:‏ قدمت عليه ، فقلت له ‏:‏ يا أبا بكر ألم تك نهيتني عن أن أتأمر على رجلين من المسلمين ‏؟‏ قال ‏:‏ بلى ، وأنا الآن أنهاك عن ذلك ؛ قال ‏:‏ فقلت له ‏:‏ فما حملك على أن تلي أمر الناس ‏؟‏ قال ‏:‏ لا أجد من ذلك بداً ، خشيت على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الفرقة ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏

أخبرني يزيد بن أبي حبيب ، أنه حدث عن عوف بن مالك الأشجعي ، قال ‏:‏ كنت في الغزاة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص ، إلى ذات السلاسل ، قال ‏:‏ فصحبت أبا بكر وعمر ، فمررت بقوم على جزور لهم قد نحروها ، وهم لا يقدرون على أن يعضوها ، وقال ‏:‏ وكنت امرأ لبقاً جازراً ، قال ‏:‏ فقلت ‏:‏ أتعطوني منها عشيراً على أن أقسمها بينكم ‏؟‏ قالوا ‏:‏ نعم ، قال ‏:‏ فأخذت الشفرتين فجزأتها مكاني ، وأخذت منها جزءاً ، فحملته إلى أصحابي ، فاطبخناه فأكلناه ‏.‏

فقال لي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ‏:‏ أني لك هذا اللحم يا عوف ‏؟‏ قال ‏:‏ فأخبرتهما خبره ، فقالا ‏:‏ والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا ، ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما من ذلك ؛ قال ‏:‏ فلما قفل الناس من ذلك السفر ، كنت أول قادم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ‏:‏ فجئته وهو يصلي في بيته ، قال ‏:‏ فقلت ‏:‏ السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ، قال ‏:‏ أعوف بن مالك ‏؟‏ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ نعم ، بأبي أنت وأمي ، قال ‏:‏ أصاحب الجزور ‏؟‏ ولم يزدني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك شيئاً ‏.‏

 غزوة ابن أبي حدرد بطن إضم وقتل محلم بن جثامة عامر بن الأضبط الأشجعي

قال ابن إسحاق ‏:‏ حدثني يزيد بن عبدالله بن قسيط عن القعقاع بن عبدالله بن أبي حدرد عن أبيه عبدالله ابن أبي حدرد ، قال ‏:‏

بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم في نفر من المسلمين ، فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ، ومحلم بن جثامة بن قيس ، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم ‏.‏

مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي ، على قعود له ، ومعه متيع له ، ووطب من لبن ، قال ‏:‏ فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام ، فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة ، فقتله لشيء كان بينه وبينه ، وأخذ بعيره ، وأخذ متيعه ، قال ‏:‏ فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبرناه الخبر ، نزل فينا ‏:‏ ‏(‏ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا ‏)‏ إلى أخر الآية ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏قرأ أبو عمرو بن العلاء ‏(‏ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ‏)‏ لهذا الحديث

 من اختصم في دم ابن الأضبط

قال ابن إسحاق ‏:‏ حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، قال ‏:‏ سمعت زياد بن ضميرة بن سعد السلمي يحدث ، عن عروة بن الزبير ، عن أبيه ، عن جده ، وكانا شهدا حنيناً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ‏:‏ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ثم عمد إلى ظل شجرة ، فجلس تحتها ، وهو بحنين ، فقام إليه الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، يختصمان ، في عامر بن الأضبط الأشجعي ‏:‏ عيينة يطلب بدم عامر ، وهو يومئذ رئيس غطفان ، والأقرع بن حابس يدفع عن محلم بن جثامة ، لمكانه من خندف ، فتداولا الخصومة عند رسول الله صلى لله عليه وسلم ، ونحن نسمع فسمعنا ، عيينة بن حصن ، وهو يقول ‏:‏ والله يا رسول الله ، لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرقة مثل ما أذاق نسائي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول ‏:‏ بل تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا ، وخمسين إذا رجعنا ، وهو يأبى عليه ، إذ قام رجل من بني ليث ، يقال له ‏:‏ مكيثر قصير مجموع - قال ابن هشام ‏:‏مكيل - فقال ‏:‏

والله يا رسول الله ما وجدت لهذا القتيل شبها في غرة الإسلام إلا كغنم وردت فرميت أولاها ، فنفرت أخرها ، اسنن اليوم ، وغير غداً ، قال ‏:‏ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال ‏:‏ بل تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا ، وخمسين إذا رجعنا ، قال ‏:‏ فقبلوا الدية ‏.‏

قال ‏:‏ ثم قالوا ‏:‏ أين صاحبكم هذا يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ قال ‏:‏ فقام رجل آدم ضرب طويل ، عليه حلة له ، قد كان تهيأ للقتل فيها ، حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ‏:‏ ما اسمك ‏؟‏ قال ‏:‏ أنا محلم بن جثامة ، قال ‏:‏ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم قال ‏:‏ اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة ، ثلاثا ‏.‏ قال ‏:‏ فقام وهو يتلقى دمعه بفضل ردائه ، قال ‏:‏ فأما نحن فنقول فيما بيننا ‏:‏ إنا لنرجو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استغفر له ، وأما ما ظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا ‏.‏

 من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏:‏ فحدثني من لا أتهم ،عن الحسن البصري قال ‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس بين يديه ‏:‏ أمنته بالله ثم قتلته ‏!‏ ثم قال له المقالة التي قال ؛ قال ‏:‏ فوالله ما مكث محلم بن جثامة إلا سبعاً حتى مات ، فلفظته ، والذي نفس الحسن بيده ، الأرض ، ثم عادوا له ، فلفظته الأرض ، ثم عادوا فلفظته ، فلما غلب قومه عمدوا إلى صدين ، فسطحوه بينهما ، ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه ‏.‏

قال ‏:‏ فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه ، فقال ‏:‏ والله إن الأرض لتطابق على من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم بما أراكم منه ‏.‏

 دية ابن الأضبط

قال ابن إسحاق ‏:‏ وأخبرنا سالم أبو النضر ، أنه حدث أن عيينة بن حصن وقيسا حين قال الأقرع بن حابس وخلا بهم ، يا معشر ، قيس منعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلاً يستصلح به الناس ، أفأمنتم أن يلعنكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيلعنكم الله بلعنته ، أو أن يغضب عليكم فيغضب الله عليكم بغضبه ‏؟‏ والله الذي نفس الأقرع بيده لتسلمنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فليصنعن فيه ما أراد ، أو لآتين بخمسين رجلاً من بني تميم يشهدون بالله كلهم ‏:‏ لقتل صاحبكم كافراً ، ما صلى قط ‏.‏ فلأطلن دمه ‏.‏ فلما سمعوا ذلك قبلوا الدية ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ محلم في هذا الحديث كله عن غير ابن إسحاق ، وهو محلم بن جثامة بن قيس الليثي ‏.‏

وقال ابن إسحاق ‏:‏ ملجم فيما حدثناه زيادة عنه ‏.‏

 غزوة ابن أبي حدرد لقتل رفاعة بن قيس الجشمي

قال ابن إسحاق ‏:‏ وغزوة ابن أبي حدرد الأسلمي الغابة ‏.‏

وكان من حديثها فيما بلغني عمن لا أتهم ،عن ابن أبي حدرد ، قال ‏:‏

تزوجت امرأة من قومي ، وأصدقتها مائتي درهم قال ‏:‏ فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على نكاحي ؛ فقال ‏:‏ وكم أصدقت ‏؟‏ فقلت ‏:‏ مائتي درهم يا رسول الله ، قال ‏:‏ سبحان الله لوكنتم تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم ، الله ما عندي ما أعينك به ‏.‏

قال ‏:‏ فلبثت أياما وأقبل رجل من بني جشم ، يقال له ‏:‏ رفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة ، في بطن عظيم من بني جشم ، حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة ، يريد أن يجمع قيسا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ذا اسم في جشم وشرف ، قال ‏:‏ فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين معي من المسلمين ، فقال ‏:‏ أخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم ‏.‏

قال ‏:‏ وقدم لنا شارفاً عجفاء ، فحمل عليها أحدنا والله ما قدمت به ضعفاً حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم ، حتى استقلت وما كادت ، ثم قال ‏:‏ تبلغوا عليها واعتقبوها ‏.‏

 ما استعان به ابن أبي حدرد من هذه الغزوة في زواجه

قال ‏:‏فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف ، حتى إذا جئنا قريباً من الحاضر عُشَيْشِيّة مع غروب الشمس ‏.‏ قال ‏:‏ كمنت في ناحية ، وأمرت صاحبي ، فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم ، وقلت لهما ‏:‏ إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في ناحية العسكر فكبرا وشدا معي ، قال ‏:‏ فوالله إنا لكذلك ننتظر غرة القوم ، أو أن نصيب منهم شيئا ‏.‏ قال ‏:‏ وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء ، وقد كان لهم راع قد سرح في هذا البلد ، فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه ‏.‏

قال ‏:‏ فقام صاحبهم ذلك رفاعة بن قيس ، فأخذ سيفه فجعله في عنقه ، ثم قال ‏:‏ والله لأتبعن أثر راعينا هذا ، ولقد أصابه شر ، فقال له نفر ممن معه ‏:‏ والله لا تذهب نحن نكفيك ، قال ‏:‏ والله لا يذهب إلا أنا ، قالوا ‏:‏ فنحن معك ، قال ‏:‏ والله لا يتبعني أحد منكم ‏.‏

قال ‏:‏ وخرج حتى يمر بي ‏.‏ قال ‏:‏ فلما أمكنني نفحته بسهمي ، فوضعته في فؤاده ، قال ‏:‏ فوالله ما تكلم ووثبت عليه فاحتززت رأسه ‏.‏ قال ‏:‏ وشددت في ناحية العسكر ، وكبرت ، وشد صاحباي وكبرا ‏.‏ قال ‏:‏ فوالله ما كان إلا النجاء ممن فيه عندك ، عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم ، وما خف معهم من أموالهم ‏.‏

قال ‏:‏ واستقنا إبلا عظيمة ، وغنما كثيرة ، فجئنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ وجئت برأسه أحمله معي ، قال ‏:‏ فأعانني رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيراً في صداقي ، فجمعت إلى أهلي ‏.‏

 غزوة عبدالرحمن بن عوف إلى دومة الجندل

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي رباح ، قال ‏:‏ سمعت رجلاً من أهل البصرة يسأل عبدالله بن عمر بن الخطاب ، عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم ، قال ‏:‏ فقال عبدالله ‏:‏ سأخبرك إن شاء الله عن ذلك بعلم ‏:‏ كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده ، أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعبدالرحمن بن عوف ، وابن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو سعيد الخدري ، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏

إذ أقبل فتى من الأنصار ، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس ، فقال ‏:‏ يا رسول الله ، صلى الله عليك ، أي المؤمنين أفضل ‏؟‏ فقال ‏:‏ أحسنهم خلقاً قال ‏:‏ فأي المؤمنين أكيس ‏؟‏ قال ‏:‏ أكثرهم ذكراً للموت ، وأحسنهم استعداداً له ، قبل أن ينزل به أولئك الأكياس ، ثم سكت الفتى ، وأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ‏:‏ يا معشر المهاجرين ، خمس خصال إذا نزلن بكم ، وأعوذ بالله أن تدركوهن ، إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع ، التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ، ولم ينقصوا المكيال والميزان ، إلا أخذوا بالسنين ، وشدة المؤنة ، وجور السلطان ، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم ، إلا منعوا القطر من السماء ، فلولا البهائم ما مطروا ، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم ، فأخذ بعض ما كان في أيديهم ، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ، وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ‏.‏

 إلباسه صلى الله عليه وسلم العمامة لابن عوف

ثم أمر عبدالرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثة عليها ، فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء ، فأدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، ثم نقضها ، ثم عممه بها ، وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك ، ثم قال ‏:‏ هكذا يا ابن عوف فاعتم ، فإنه أحسن وأعرف ، ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء فدفعه إليه ، فحمد الله تعالى وصلى على نفسه ، ثم قال ‏:‏

خذه يا ابن عوف ، اغزوا جميعا في سبيل الله ، فقاتلوا من كفر بالله ، لاتغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا ، فهذا عهد الله ، وسيرة نبيه فيكم ، فأخذ عبدالرحمن بن عوف اللواء ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏فخرج إلى دومة الجندل ‏.‏

 غزوة أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن أبيه ، عن جده عبادة بن الصامت ، قال ‏:‏

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى سيف البحر ، عليهم أبو عبيدة بن الجراح ، وزودهم جرابا من تمر ، فجعل يقوتهم إياه ، حتى صار إلى أن يعده عليهم عداً ، قال ‏:‏ ثم نفد التمر ، حتى كان يعطي كل رجل منهم كل يوم تمرة ، قال ‏:‏ فقسمها يوماً بيننا ، قال ‏:‏ فنقصت تمرة عن رجل فوجدنا فقدها ذلك اليوم ‏.‏

قال ‏:‏ فلما جهدنا الجوع ، أخرج الله لنا دابة من البحر ، فأصبنا من لحمها وودكها ، وأقمنا عليها عشرين ليلة ، حتى سمنا وابتللنا ، وأخذ أميرنا ضلعا من أضلاعها ، فوضعها على طريقه ، ثم أمر بأجسم بعير معنا ، فحمل عليه أجسم رجل منا ، قال ‏:‏ فجلس عليه ، قال ‏:‏ فخرج من تحتها وما مست رأسه ‏.‏ قال فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره خبرها ، وسألناه عما صنعنا في ذلك من أكلنا إياه ، فقال رزق رزقكموه الله ‏.‏